عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
33
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
وفي هذا الاسم لعلماء العربية كلام كثير فلنكتف بهذا القدر من كلامهم للتبرّك . واعلم أن هذا الاسم خماسي لأن الألف التي قبل الهاء ثابتة في اللفظ ولا يعتد بسقوطها في الخط لأن اللفظ حاكم على الخط . واعلم أن الألف الأولى عبارة عن الأحدية التي هلكت فيها الكثرة ولم يبق لها وجود بوجه من الوجوه ، وذلك حقيقة قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ « 1 » يعني وجه ذلك الشيء ، وهو أحدية الحق فيه ومنه ، له الحكم فلا يقيد بالكثرة إذ ليس لها حكم ، ولما كانت الأحدية أول تجليات الذات في نفسه لنفسه بنفسه كان الألف في أول هذا الاسم وانفراده بحيث لا يتعلق به شيء من الحروف تنبيها على الأحدية التي ليس للأوصاف الحقيقية ولا للنعوت الخلقية فيها ظهور ، فهي أحدية محضة اندحض فيها الأسماء والصفات والأفعال والتأثيرات والمخلوقات ، وإليه إشارة بسائط هذه الحروف باندحاضها فيه ، إذ بسائط هذا الحرف ألف ولام وفاء ، فالألف من البسائط يدلّ على الذات الجامعة للبساطة والمنبسط فيه ، واللام بقائمته يدل على صفاته القديمة وبتعريفه يدلّ على متعلقات الصفات وهي الأفعال القديمة المنسوبة إليه ، والفاء يدل على المفعولات بهيئته ، ويدل بنقطته على وجود الحق في ذات الخلق ، ويدل باستدارة رأسه وتجويفه على عدم التناهي للتمكن من قبوله للفيض الإلهي ، واستدارة رأس الفاء محل الإشارة لعدم التناهي للتمكن لأن الدائرة لا يعلم لها ابتداء ولا انتهاء ، وتجويفه محل الإشارة لقبوله الفيض إذ المجوف لا بد أن يقبل شيئا يملؤه . وثم نكتة أخرى وهي النقطة التي في رأس الفاء كأنها هي التي دائرة رأس الفاء محلها ، وهنا إشارة لطيفة إلى الأمانة التي حملها الإنسان ، وهي أعني الأمانة كمال الألوهية ، كما أن السماء والأرض وأهليهما من المخلوقات لم تستطع حمل هذه الأمانة ، وكذلك جميع الفاء ليس محلا للنقطة سوى رأسها المجوف الذي هو عبارة عن الإنسان ، وذلك لأنه رئيس هذا العالم ؛ وفيه قيل : « أول ما خلق اللّه روح نبيك يا جابر » فكذلك القلم من يد الكاتب أول ما يصوّر رأس الفاء ، فتحصل من هذا الكلام وما قبله أن أحدية الحق يبطن فيها حكم كل شيء من حقائق أسمائه وصفاته وأفعاله ومؤثراته ومخلوقاته ، ولا يبقى إلا صفة ذاته المعبر من وجه بالأحدية ، وقد تكلمنا في هذا الاسم بعبارة أبسط من هذا في كتابنا المسمى ب [ بالكهف والرقيم ، في شرح
--> ( 1 ) آية ( 88 ) سورة القصص .